عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )
59
الإيضاح في شرح المفصل
والثّاني : أنّ التّثنية في الأسماء إلحاق الاسم الزّيادة المعلومة ، ليدلّ على أنّ معه مثله من جنسه ، ولا شكّ أنّ الأعلام وإن تعدّدت مدلولاتها ليست موضوعة لها وضعا واحدا حتّى تكون تثنيتها تدلّ على شيئين من جنس واحد ، [ بل الأوّل ليس من جنس الثاني ] « 1 » ، ولكنّ العرب لمّا وضعت الاسم المثنّى والمجموع للإيجاز والاختصار كراهة تكرار اللّفظ الواحد مرارا متعدّدة ، ورأوا أنّ العلم أحقّ بذلك لكثرته اغتفروا أمر خروجه بالوجهين المتقدّمين لمّا قصدوا فيه الاختصار المقصود في التّثنية والجمع ، ثمّ التزموا إدخال اللّام فيه تعويضا له عمّا ذهب من العلميّة من مفرديه ، وهذه اللّام / هي لام التّعريف التي للعهد ، وذلك أنّ العلم في الحقيقة موضوع لمعهود ، إلّا أنّه لمّا كان موضوعا له بأصل وضعه لم يحتج إلى زيادة تجعله له ، ولمّا كان نحو « رجل » و « غلام » موضوعا لواحد من أجناسه احتاج عند جعله لمعهود أن يزاد فيه ما يجعله له « 2 » ، ولمّا فقدت خصوصيّة الإفراد عند تثنية العلم وبه « 3 » كانت دلالته على ذلك المعهود أدخلوا لام العهد باعتبار مفردي العلميّة جميعا « 4 » ، ولم يستعملوا العلم بعد تثنيته إلّا كذلك ، لئلّا يؤدّي إلى إخراجه عن وضعه من كلّ وجه ، فهذا معنى مناسب يقتضي لزوم اللّام له ، وعليه جاءت لغتهم ، فالحكم على لغتهم باستعمال العلم مثنّى أو مجموعا نكرة حكم « 5 » على لغتهم من غير ثبت ، وذلك غير جائز ، نعم يجوز الإتيان به منكّرا على اللّغة الضّعيفة في الزيد وزيدكم ، فإذا ثنّي زيد بعد تنكيره قيل : زيدان ، وليس الكلام على هذه اللغة ههنا « 6 » . وقوله : « إلّا نحو : أبانين » استثناء منقطع ، ألا ترى أنّ « أبانين » ليس تثنية لشيئين كلّ واحد منهما أبان ، كما كان قولك : الزّيدان ، وإنّما هو اسم لجبلين ، أحدهما أبان والآخر متالع ، وضعوا لهما جميعا أبانين ، فهو اسم لفظه لفظ التثنية ، وضع علما لهذين الجبلين « 7 » ، كما لو سمّيت رجلين بزيدان من أوّل الأمر ، ولا يستقيم أن يقال : يكون تثنية على تقدير أن يكون اسم الآخر
--> ( 1 ) سقط من الأصل . ط . وأثبته عن د . ( 2 ) في د : « ما يجعل الرجل لمعهود » . ( 3 ) أي : بالإفراد . ( 4 ) في الأصل . ط : « باعتبارهما جميعا » ، وما أثبت عن د . وهو أوضح . ( 5 ) سقط من ط : « حكم » خطأ . ( 6 ) انظر شرح الكافية للرضي : 2 / 136 ، والهمع : 1 / 72 - 73 . ( 7 ) قال ياقوت : « أبان تثنية أبان ومتالع غلّب أحدهما . . وهما بنواحي البحرين » معجم البلدان ( أبن ) .